بيان المثقفين السعوديين أدي غرضه ؟

د. خالد الدخيل


ينبغي ألا يمر الجدل الحاد الذي أثاره صدور بيان المثقفين السعوديين في الداخل كأنه حدث آني عابر. هو ليس كذلك. ودلالاته لا تقتصر علي السعودية فقط. بيان المثقفين السعوديين جاء رداً علي بيان المثقفين الأميركيين، وهو في جوهره بسيط يدعو الي الحوار مع الأميركيين والغرب عموماً. إلي هنا يبدو الأمر منطقياً وواضحاً في بساطته ومباشرته. لكن ما حدث بعد ذلك أن الضجة بدأت تنتشر في المجتمع السعودي عبر أحاديث المجالس واللقاءات الخاصة وعبر شبكة الـ انترنت ، إلي جانب القليل مما نشر في بعض الصحف المحلية. اللافت هنا أن هذا الجدل إنتهي إلي شيئ واحد، هو رفض البيان ومعه رفض فكرة الحوار. واللافت أيضاً أن السلفيين والحداثيين التقوا في هذا الرفض، كل لأسبابه الخاصة.
وفي النهاية فإن البيان الذي صدر بإسم الحوار سقط ضحية لهذه الدعوة تحديداً، إذ انه واجه منذ البداية حملة سلفية تستنكر عليه تبنيه فكرة الحوار مع الغرب. وكانت الحملة موجهة أساساً ضد السلفيين الذين وقعوا البيان، وتحديداً ناصر العمر وسفر الحوالي وسلمان العودة. وأمام هذا الضغط، وإنسحاب كثيرين من الخط السلفي نفسه، أصدر هؤلاء الثلاثة ما سموه بياناً توضيحياً تخلوا فيه عن كل ما وقعوا عليه في البيان الأول.

هنا يبرز في الضرورة سؤال: هل خالف هؤلاء الثلاثة الكتاب والسنة بتوقيعهم بيان المثقفين؟ البيان التوضيحي يجيب عن هذا السؤال بالإيجاب. لكنه يشير من ناحية أخري إلي خضوع لما يعرف داخل الأوساط السلفية بـ سلطة العوام ، وليس بالضرورة لمقتضيات الكتاب والسنة. الأسوأ من ذلك أن البيان التوضيحي جاء ممهوراً بمصادقة شيخ آخر أكبر سناً، كدليل إلي صحته ومطابقته مقتضيات الدين بالضرورة، مما يعني شكلاً من أشكال الكهنوتية؟ وهذا أيضاً مخالف للكتاب والسنة، كما يقول السلفيون أنفسهم. وهذا يفرض بدوره سؤالاً آخر عن الهدف الذي من أجله وقع الثلاثة البيان الأول.
يعتبر هذا السؤال وغيره أسئلة مربكة، وتعزز القول بأن بيان المثقفين صدر أساساً بغرض المناورة لمكاسب سياسية. وبعدما تبين للثلاثة أن الأمور تسير، بسبب الحملة السلفية، بخلاف ما هدفوا إليه جاء البيان التوضيحي للحد من تحول تلك المكاسب إلي خسائر سياسية واضحة.

إذاً البيان الذي بدأ بالدعوة إلي حوار إنتهي بشكل مربك إلي خوف من الحوار، وإلي إكتشاف ثقل مسؤولية الحوار. والبيان التوضيحي تعبير عن هذا الخوف والإرباك وعن تلك الأسئلة المربكة التي لا يجيب عنها هذا البيان بشكل نهائي، بل ستظل مطروحة داخل الحلقات السلفية وخارجها، ولا يمكن التعامل معها بشجاعة وموضوعية إلا من خلال الحوار، وليس من خلال الخضوع لمنطق التهديد والتكفير. فالحملة السلفية، وقبلها بيان المثقفين، دليل إلي إختلاف في الرأي داخل التيار السلفي نفسه. وهذا أمر طبيعي. والحملة كانت مناسبة للإعتراف بوجود هذا الإختلاف ومواجهته كمنطلق ومبرر للحوار. لكن ما حصل كان خلاف ذلك، مما يشير إلي أن القناعة بمبدأ الحوار لا تزال غضة ورقيقة، أو أنها قناعة غير موجودة أصلاً كما يقول بعضهم.

وهنا يبرز سؤال مشروع هو هل البيان الأول يعبر حقيقة عن تحول في موقف السلفيين الثلاثة. والتعاطي معه يجب أن يكون في إطار مبدأ الحوار، وليس إنطلاقاً من رغبة في التشفي، واستنكار البيان التوضيحي لتقويض دعوة الحوار من أساسها. فعلي رغم صدور البيان الأخير لا تزال دلالة البيان الأول وأهمية دعوته الي الحوار قائمة، لأن قيمة الحوار وخطورته شيئ قائم بذاته، وغير مرتهن لموقف فرد معين أو مجموعة أفراد، ولأن هذا يتعارض تماماً مع معني الحوار وما يدعو إليه. وحتي السلفيون الثلاثة ما زالوا مسؤولين عما جاء في البيان الأول إلي أن يعلنوا إنسحابهم علي نحو علني ومباشر.

وإذا كان لا يجوز الإكتفاء بالبيان الأول، كما فعل عبدالله الغذامي في جريدة الرياض ، دليلاً إلي أن تحولاً حدث في موقف أولئك السلفيين، فإنه لا يجوز أيضاً القول بأن من قاموا بالصياغة لم يفعلوا ذلك إلا لمجرد المناورة والتضليل. فكلا الموقفين نوع من التفكير بالتمني. الأول يكتفي بمؤشر واحد لإثبات حدوث التغيير، وهذا لا يجوز علمياً. أما الثاني فهو نوع من الجزم يقوم علي تحليل النيات والدوافع الداخلية. وهذا أيضاً مرفوض علمياً. وهناك إدعاء ساقه عبدالرحمن اللاحم في جريدة الوطن السعودية بـ ان عراب البيان (يقصد سلمان العودة) ما زال يضخ قيم كره الغرب ورفض حتي التبسم في وجوههم في دروسه العلمية. وهو إدعاء يتناقض تماماً مع دعوة البيان إلي الحوار، ولكن شرط أن تتم البرهنة علي أن هذا العراب قام بذلك قبل صدور البيان الأساسي وما زال يفعل ذلك بعده.

عندما نأتي إلي بقية من وقعوا البيان من غير السلفيين، بمن فيهم الحداثيون، نجد أنهم أضافوا إلي غرابة المشهد الثقافي. فهؤلاء لزموا الصمت غالباً، وتحولوا مجرد مشاهدين لما يحدث أمامهم للبيان الذي مهروه بامضاءاتهم. ودلالة ذلك واضحة، وهي الشعور بالعجز وقلة الحيلة أمام التيار السلفي وهيمنته علي الساحة. ربما أن الشعور بالعجز عائد إلي أن الحداثة ما زالت تفتقد إلي قاعدة شعبية تسندها. ولكن ربما، أيضاً، أن ذلك الشعور عائد إلي ضعف الموقف الفكري للحداثيين أنفسهم، وضعف قناعتهم بقيمة الحوار، وبالتالي ضعف قناعتهم بالعقلانية ركيزة للحداثة التي يدعونها. وما يشير إلي ذلك هو موقف الرفض والتردد الذي أعلنه بعضهم إزاء البيان الأول، ومن ثم رفض فكرة الحوار التي دعا إليها. فتركي الحمد يرفض دعوة البيان لأن الأولوية هي لحوار الداخل. بل تملكت بعضهم، بشكل غريب، روح التشفي. وبعضهم الآخر، مثل داوود الشريان، طالب أصحاب البيان من السلفيين بالإعتذار عن مواقفهم السابقة حتي يمكن القبول بأنهم تغيروا وتبدلوا. وكل ذلك مجرد مناورات سياسية تعبر عن ضعف سياسي من ناحية، وضعف الالتزام الفكري من ناحية أخري. واللافت هنا موقف عبدالله الغذامي الذي رفض، من ناحية، توقيع البيان لأنه يختلف مع بعض ما جاء فيه، لكنه من ناحية أخري كان أقوي مدافع عن البيان وأهمية دعوته إلي الحوار.

وإذا كان الموقف السلفي الرافض للحوار منسجماً مع نفسه فإن موقف الحداثيين متناقض من الداخل. كان واضحاً منذ اللحظة الأولي أن بيان المثقفين السعوديين يشكل مصدراً للإختلاف. فالذين وقعوه جاؤوا من مشارب مختلفة: بعضهم سلفي، وبعضهم الآخر حداثي. ثم هناك مجال واسع لملاحظات كثيرة علي البيان، وللإختلاف في بعض ما جاء فيه حتي بين الذين وقعوه. خذ مثلاً مسألة أولوية الحوار في الداخل علي الحوار مع الخارج. وخذ أيضاً حقيقة أن البيان صيغ بلغة يغلب عليها الخطاب الديني، مما لا يتفق تماماً مع روح الحوار الذي يطالب به البيان. وهناك أيضاً الموقف الذي عبر عنه البيان من مسألة العلمانية، وهو موقف حاد وقطعي ينطلق من نظرة ملتبسة تختزل العلمانية في الكفر والإلحاد، في حين أنها مسألة تاريخية وسياسية أكثر تعقيداً من ذلك، وبالتالي فهي قابلة لأن تكون مجرد آلية سياسية للحكم لا ترفض الدين أو تحاربه، وقابلة في الوقت نفسه لأن تكون أيديولوجية متطرفة في عدائها للدين. والعلمانية في النهاية قضية فكرية وسياسية أفرزها التاريخ الأوروبي الحديث، ثم ينبغي التعاطي معها إنطلاقاً من هذا الإطار أولاً، وليس إنطلاقاً من تصورات ومواقف ايديولوجية مسبقة، وإختزالية في طبيعتها.
هذه وغيرها من المسائل الخلافية في البيان مدعاة للحوار، وليس لرفضه، خصوصاً في مجتمع ظلت قيمة الحوار لقرون طويلة، خارج نسقه الثقافي. لكن الغريب أن هذه المسائل الخلافية اتخذها كثيرون سبباً لرفض البيان وليس سبباً لتوسيع مساحة الحوار. مع العلم أن الإختلاف هو الركيزة الأولي للحوار الذي ينطلق أساساً قبل أي شيئ آخر، من قبول الإختلاف أولاً، وقبول التعايش مع الإختلاف ثانياً، أي قبول التعددية. وعندما تختفي مساحة الإختلاف تختفي معها مساحة الحوار، وتختفي معها أيضاً مساحة الحرية. وإذا قيل أن السلفيين يرفضون أصلاً فكرة الإختلاف، فهذا ليس مبرراً لمجاراتهم في ذلك. ثم ان موافقة بعضهم علي الحوار مع الخارج تلزمه بالضرورة الحوار مع الداخل.

بيان المثقفين السعوديين كشف أن الحداثيين والسلفيين يلتقون علي شيئ واحد، هو الموقف من الحوار. فمواقفهم ينتظمها متصل يمتد بين التردد حيال فكرة الحوار والرفض القاطع له. علي رغم ما يعلنه الطرفان في كل مناسبة: الحداثيون يدعون دائماً إلي الحوار باعتباره عنواناً للعقلانية والحرية، بل يعتبرونه أهم مبرر لما يدعون إليه. والسلفيون كثيراً ما يرددون قوله تعالي وادعُ إلي سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة و وجادلهم بالتي هي أحسن .
ولكن عندما جاءت لحظة الإمتحان تصرف كل طرف بخلاف ما يدعو إليه. قد يقال إن ما حدث أمر طبيعي في ثقافة منغلقة لم يعرف الحوار دالة فيها أو إليها. وهذا صحيح علي مستوي معين. لكن الأمر ليس بهذه البساطة بحيث يكون علي هذه الصورة البسيطة في أحاديتها. فالواقع أكثر تعقيداً من ذلك، لأن الصحيح أيضاً أن ثقافة افتقدت إلي قيم الحوار والتعددية حري بها أن تستقبل فكرة الحوار بطريقة أكثر أريحية. ويفترض بهذه الثقافة، بما هي عليه من إنغلاق لقرون، أن تكون متعطشة لما افتقدته طوال تلك المدة.
كان الإنغلاق طبيعياً، وربما مطلوباً حينما كانت مجتمعات الجزيرة العربية متقوقعة داخل عزلتها الجغرافية والسياسية والإجتماعية، ومعزولة عن العالم قبل قيام الدولة. وكان رفض التعددية والحوار مفهوماً حينما كانت تلك المجتمعات تعاني الأمرّين تحت وطأة تصدع القبيلة وتشرذمها إلي عائلات وأقاليم ومدن يطحنها الفقر والجوع والصراعات المريرة. كانت تلك المجتمعات مهددة في وجودها وليس في هويتها. أم الآن، فقد تغير كل شيئ، ومعه ينبغي أن تتغير مواقفنا من قضايا كثيرة، بينها فكرة الحوار.

قد يقال إن ما حدث من رفض لفكرة الحوار هو شكل من أشكال الحوار ذاته، خصوصاً في مجتمع لم تترسخ فيه فكرة الحوار بعد. وبهذا المعني هذه بداية خاطئة، لكنها تبقي بداية ينبغي الإفادة منها لإستعادة البدء من جديد بطريقة أكثر نضجاً لتدشين مبدأ الحوار وترسيخه. إذا كان الأمر كذلك، فإن بيان المثقفين يكون في النهاية قد أدي غرضه. هل هذا صحيح؟ الحوار كفيل بمعالجة مثل هذا السؤال.


نُشرت في صحيفة الحياة  في 2 مايو 2002م